تجدد القتال في تيغراي.. إثيوبيا تحصد ما زرعته في محيطها الإقليمي

0 minutes للقراءة
63 مشاهدة

لم تعد التطورات العسكرية في إقليم تيغراي مجرد أزمة داخلية إثيوبية، بل بدأت تكشف مفارقة سياسية وأمنية أكثر خطورة: إثيوبيا التي سعت خلال السنوات الماضية إلى توسيع نفوذها في دول الجوار والتدخل في أزماتها، تجد نفسها اليوم أمام واقع أمني ينقلب عليها، مع عودة الجبهات المسلحة إلى الداخل الإثيوبي وتهديدها بإعادة فتح ملفات الحرب الأهلية.

ويحاول الخطاب الإثيوبي تقديم التطورات الأخيرة باعتبارها نتيجة لتدخلات سودانية ودعم خارجي لجبهة تحرير شعب تيغراي، إلا أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أوسع تتعلق بالدور الإثيوبي نفسه في أزمات المنطقة. فإثيوبيا لم تكن خلال السنوات الماضية مجرد دولة متضررة من صراعات الجوار، بل كانت طرفًا حاضرًا في ملفات أمنية وسياسية شديدة الحساسية، من السودان إلى الصومال وإريتريا.

وبدل أن تتحول سياسة فرض النفوذ والتدخل في محيطها إلى مصدر قوة دائمة لأديس أبابا، يبدو أن جزءًا من تداعيات تلك السياسة بدأ يعود إلى الداخل الإثيوبي نفسه. فالجبهات التي اعتقدت الحكومة الإثيوبية أنها قادرة على احتوائها أو استخدامها في معادلاتها الإقليمية، عادت لتفرض نفسها على الأمن الداخلي، فيما تتسع دائرة الخصوم المسلحين وتزداد هشاشة السيطرة المركزية.

وتأتي عودة التصعيد في تيغراي في وقت تواجه فيه حكومة أبي أحمد أزمات متراكمة مع قوى وجماعات مسلحة في مناطق مختلفة من البلاد، ما يجعل المشهد أقرب إلى حلقة متكررة من الصراعات التي لم تنجح الحكومة في إغلاقها بصورة نهائية.

المفارقة أن إثيوبيا التي طالما نظرت إلى أزمات دول الجوار باعتبارها ساحات يمكن التأثير فيها لحماية مصالحها ونفوذها، تجد نفسها اليوم أمام ساحات داخلية مفتوحة. فالتوتر مع إريتريا، والصراع في تيغراي، والاضطرابات في مناطق أخرى، كلها تجعل الحدود الإثيوبية ومحيطها المباشر جزءًا من معادلة أمنية أكثر تعقيدًا من قدرة الحكومة على احتوائها.

وفي هذا السياق، تبدو الاتهامات الإثيوبية للسودان بشأن دعم جبهة تحرير شعب تيغراي محاولة لوضع كامل المسؤولية خارج الحدود، فيما تتجاهل جذور الأزمة الإثيوبية نفسها. وحتى إذا صحت بعض الاتهامات المتعلقة بتحركات مقاتلين أو إمدادات عبر الحدود، فإن ذلك لا يلغي السؤال الأساسي: لماذا أصبحت إثيوبيا مجددًا ساحة مفتوحة أمام الحركات المسلحة والجبهات المناوئة للحكومة؟

الأكثر دلالة أن سياسة أديس أبابا تجاه محيطها الإقليمي لم تؤدِ إلى تحصين الداخل الإثيوبي، بل ساهمت، وفق منتقديها، في إنتاج بيئة إقليمية أكثر توترًا، من خلال الانخراط في أزمات السودان والصومال وإريتريا، ومحاولات التأثير في القوى والحركات الموجودة في هذه الدول.

وهنا تنقلب المعادلة: ما حاولت إثيوبيا أن تفعله في جوارها الإقليمي، بات يعود إليها من داخل حدودها. فبدل أن تبقى أديس أبابا لاعبًا يراقب صراعات الآخرين من موقع القوة، تجد نفسها أمام جبهات عسكرية وسياسية تهدد بإعادة البلاد إلى دوامة الحرب الأهلية.

وتصعيد تيغراي في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن هذه الصورة الأوسع. فالحرب السودانية المستمرة، والتوتر مع إريتريا، والاضطرابات الداخلية الإثيوبية، كلها تتقاطع في منطقة حدودية شديدة الهشاشة، بما يجعل أي تصعيد جديد قابلًا للتحول إلى أزمة إقليمية واسعة.

وفي النهاية، قد تكون المفارقة الأبرز في المشهد أن إثيوبيا التي سعت إلى نقل نفوذها وأزماتها إلى محيطها، باتت اليوم تواجه ارتداد هذه السياسات داخل أراضيها. وإذا فشلت حكومة أبي أحمد في احتواء الجبهات الداخلية قبل اتساعها، فإن الخطر لن يكون مجرد تجدد للقتال في تيغراي، بل احتمال دخول النظام نفسه في حرب استنزاف متعددة الجبهات قد تهدد تماسك الدولة ومستقبل الحكومة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *