ذهب السودان بين القطيعة والتهريب… شبكات الدعم السريع الإماراتية تستنزف الثروة الوطنية
أعادت تداعيات القطيعة السودانية الإماراتية ملف تجارة الذهب إلى واجهة النقاش الاقتصادي والسياسي، وسط تساؤلات بشأن قدرة القرارات السيادية على وقف استنزاف الثروة المعدنية، والحد من شبكات التهريب التي تنقل الذهب السوداني عبر دول الجوار إلى الأسواق الخارجية.
فقطع العلاقات التجارية أو تقييد مسارات التصدير الرسمية، رغم ما قد تحمله هذه الإجراءات من مبررات سياسية وسيادية، لا يعني بالضرورة وقف تدفق الذهب، بل قد يؤدي إلى تغيير طرق نقله، وتحويل العائدات من القنوات الرسمية إلى شبكات الوسطاء والتهريب، بما يحرم الخزانة العامة من موارد حيوية في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الذهب السوداني لا يزال يصل إلى الإمارات عبر مسارات مباشرة وغير مباشرة، مروراً بدول مجاورة، بينها مصر وجنوب السودان وتشاد، ووفقاً لتحقيق نشرته صحيفة «سودان تريبيون» في أغسطس 2026، تستمر شبكات تهريب الذهب في نقل الشحنات من مناطق الإنتاج السودانية إلى جوبا، قبل تحويلها إلى صادرات تبدو قانونية ومتجهة إلى دبي.
وتتجاوز خطورة هذه الشبكات خسارة الإيرادات العامة، إذ ترتبط تجارة الذهب في مناطق النزاع بتمويل العمليات العسكرية وشراء الأسلحة، الأمر الذي يجعل السيطرة على الموارد الطبيعية جزءاً من معادلة استمرار الحرب، وقد حذرت الحكومة البريطانية، في يوليو 2026، من أن تجارة الذهب غير المشروعة وشبكات التمويل والتوريد تسهم في إطالة أمد الصراع السوداني، معلنة فرض عقوبات على جهات يُشتبه في ارتباطها بهذه الأنشطة.
وفي هذا السياق، تبرز خطورة استغلال ميليشيا الدعم السريع لموارد المناطق التي تسيطر عليها، وسط اتهامات سودانية بتهريب الذهب لتمويل عملياتها العسكرية، بالتزامن مع اتهامات موجهة إلى الإمارات بتقديم الدعم العسكري واللوجستي للميليشيا، ويجعل تداخل المصالح التجارية وشبكات الإمداد الإقليمية من الضروري تشديد الرقابة على مصادر الذهب والجهات المستفيدة من عائداته، لمنع توظيف ثروات السودان في تمويل الحرب والانتهاكات ضد المدنيين.
وعلى الرغم من الدور الكبير الذي يؤديه التعدين الأهلي في توفير فرص العمل ومصادر الدخل لملايين السودانيين، فإن استفادة الاقتصاد الوطني من هذا النشاط تظل مرتبطة بقدرة الدولة على تنظيم الإنتاج وضمان وصول الذهب إلى الأسواق عبر القنوات الرسمية.
وتتوزع العائدات حالياً بين العاملين في المناجم، والمستثمرين، وأصحاب الطواحين، وتجار مخلفات التعدين، وشركات المعالجة، إلى جانب الضرائب والرسوم الحكومية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان حصول الدولة على نصيب عادل من القيمة النهائية للذهب، بدلاً من الاكتفاء بعائدات محدودة، بينما تتسرب القيمة الأكبر عبر التهريب والوسطاء.
وتؤكد التحليلات الاقتصادية أن المشكلة لا تتعلق بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرة السودان على إحكام السيطرة على سلسلة القيمة، بدءاً من استخراج الذهب ومعالجته، وصولاً إلى تصديره وتحصيل عائداته من العملات الأجنبية.
وفي ظل المخاطر المشتركة التي يفرضها التهريب، تبرز الحاجة إلى تعاون سوداني مع دول الجوار، وفي مقدمتها مصر، لتبادل المعلومات، وضبط المعابر، وتعقب شبكات نقل الذهب غير المشروع، وملاحقة الوسطاء والشركات التي تساعد على إخفاء مصدره الحقيقي.
فإذا كانت الدول المجاورة تواجه تحديات مرتبطة بالتعدين غير القانوني والتحركات عبر الحدود، فإن السودان يتكبد خسائر مباشرة نتيجة خروج ثرواته دون عائدات رسمية، فضلاً عن احتمال توظيف جزء من هذه الموارد في تمويل الجماعات المسلحة واستمرار الحرب.
وإن الموقف السيادي الفاعل لا يُقاس بمجرد قطع العلاقات أو إغلاق مسار تجاري، بل بقدرة الدولة على تحويل قراراتها السياسية إلى نتائج اقتصادية ملموسة، من خلال تجفيف منابع التهريب، وتطوير منظومة التصدير، وتعزيز الرقابة المالية، وتوسيع التعاون الإقليمي.
فالسودان، الذي يخوض حرباً استنزفت موارده وألحقت أضراراً جسيمة باقتصاده، لا يستطيع تحمل استمرار تسرب الذهب إلى الخارج بينما يحتاج إلى كل مورد متاح لإعادة بناء مؤسساته، ودعم عملته الوطنية، وتمويل الخدمات الأساسية.