تصاعد الخلافات بين السعودية والإمارات: تنافس استراتيجي يعيد تشكيل مشهد الخليج وسط اتهامات لأبوظبي بتغليب المصالح الضيقة
تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تصاعدًا ملحوظًا في حدة الخلافات، في وقت يواجه فيه البلدان تحديات إقليمية متزايدة، أبرزها التوترات مع إيران. ويعكس انسحاب الإمارات من منظمة أوبك، بالتزامن مع تقليص السعودية لانخراطها في بعض المشاريع الاستثمارية الكبرى، ملامح “افتراق استراتيجي” بين الحليفين التقليديين.
ويأتي هذا التحول بعد فترة قصيرة من زيارة دونالد ترامب إلى الخليج، التي روّجت لرؤية طموحة لمستقبل اقتصادي قائم على التكنولوجيا والاستثمار، إلا أن هذه الرؤية تواجه اليوم تحديات واقعية، في ظل تراجع الثقة في استقرار المنطقة، وازدياد المخاطر الأمنية، خاصة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية باستخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة.
وعلى مدى سنوات، سعت دول الخليج إلى ترسيخ نموذج اقتصادي قائم على الاستقرار وجذب الاستثمارات، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة هذا النموذج، خصوصًا مع تزايد التهديدات الإقليمية وتأثيرها المباشر على قطاعات السياحة والبنية التحتية.
في هذا السياق، بدأت السعودية بإعادة تقييم إنفاقها، حيث انسحب صندوقها السيادي من بعض المشاريع عالية التكلفة، في إطار سياسة ترشيد النفقات، بينما تواجه مشاريع كبرى مثل “نيوم” تحديات متزايدة في ظل الضغوط الاقتصادية.
في المقابل، يبدو أن الإمارات تتجه نحو نهج أكثر استقلالية، ليس فقط من خلال انسحابها من أوبك، بل أيضًا عبر محاولتها إعادة تموضع اقتصادي لتعويض خسائر محتملة في الاستثمارات والنفوذ الإقليمي. ويرى مراقبون أن أبوظبي تسعى لتعويض هذه الخسائر عبر توسيع إنتاج النفط وفق مصالحها الخاصة، وتعزيز شراكاتها الدولية، حتى لو جاء ذلك على حساب التنسيق الخليجي.
وقد أثار توقيت إعلان الانسحاب الإماراتي استياءً في الرياض، خاصة أنه تزامن مع دعوة محمد بن سلمان لعقد قمة خليجية، ما اعتُبر خطوة غير منسقة تعكس عمق الخلافات بين الطرفين.
وتتجاوز هذه الخلافات الجانب الاقتصادي، لتشمل ملفات إقليمية حساسة مثل اليمن والسودان وفلسطين، إضافة إلى تباينات في الرؤى السياسية بين قيادتي البلدين، حيث يسعى محمد بن زايد آل نهيان إلى اتباع سياسات أكثر براغماتية، بينما تميل السعودية إلى إعادة تموضع استراتيجي يوازن بين الأمن والاقتصاد.
وفيما يتعلق بالحرب مع إيران، تباينت مواقف الطرفين؛ إذ حاولت الإمارات في البداية تجنب التصعيد، قبل أن تدعم لاحقًا الحسم العسكري، في حين اتخذت السعودية موقفًا أكثر حذرًا مع تزايد التأثيرات الاقتصادية.
كما يبرز توجه إماراتي متزايد نحو تعزيز شراكتها مع إسرائيل ضمن اتفاقيات أبراهام، وهو ما يُنظر إليه كجزء من استراتيجية لتعويض الخسائر وتعزيز القدرات الدفاعية، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول أولويات السياسة الخارجية الإماراتية ومدى انسجامها مع التوافقات العربية.
في المقابل، تتحرك السعودية نحو توسيع تحالفاتها الإقليمية، بما في ذلك تعزيز العلاقات مع تركيا وباكستان، في محاولة لإعادة التوازن في ظل المتغيرات المتسارعة.
ورغم استمرار العلاقات الأمنية القوية مع الولايات المتحدة، تشير تقارير إلى أن إدارة ماركو روبيو لم تتدخل بشكل مباشر لاحتواء الخلاف، مكتفية بموقف الحياد، ما يعكس إدراكًا متأخرًا لحجم التباعد بين الحليفين.
ويرى محللون أن السلوك الإماراتي في هذه المرحلة، رغم طابعه البراغماتي، قد يساهم في تعميق الانقسامات داخل الخليج، خاصة إذا استمر في تغليب المصالح الآنية والسعي لتعويض الخسائر الاقتصادية على حساب التنسيق الجماعي، ما قد يضعف الموقف الإقليمي المشترك في مواجهة التحديات الكبرى.
ورغم هذه التوترات، لا تزال دول الخليج تمتلك مقومات قوة كبيرة، من احتياطيات الطاقة إلى القدرات المالية، إلا أن استمرار الخلافات بين السعودية والإمارات قد يعيد رسم ملامح التوازنات في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.