الجيش السوداني يشق طريقه نحو الفاشر لكسر حصار الدعم السريع عن المدنيين في المدينة
شهدت جبهات كردفان خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا ميدانيًا متسارعًا، بالتزامن مع استمرار الأزمة الإنسانية الخانقة في الفاشر ودارفور، في وقت تحاول فيه القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها دفع قوات الدعم السريع بعيدًا عن محاور الإمداد المؤدية إلى غرب البلاد، وتكتسب هذه المعارك أهمية خاصة بسبب ارتباط طرق كردفان بالمسارات المؤدية إلى دارفور، بينما تشير التطورات الأخيرة إلى انتقال ثقل العمليات العسكرية بصورة متزايدة إلى شمال كردفان.
وتأتي هذه التطورات في ظل أوضاع إنسانية شديدة القسوة في مناطق النزاع، ولا سيما الفاشر وكادوقلي والدلنج وأجزاء واسعة من كردفان ودارفور، وأكدت الأمم المتحدة أن مناطق في غرب السودان تشهد تدهورًا حادًا في الأمن الغذائي نتيجة استمرار القتال وقيود الوصول الإنساني، فيما تواجه ملايين الأسر مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، كما حذرت الأمم المتحدة من اتساع الاحتياجات الصحية والغذائية، في وقت تضررت فيه المستشفيات والخدمات الأساسية بشدة جراء الحرب.
وفي الفاشر، أدى استمرار القتال والحصار إلى تضييق الخيارات أمام السكان والنازحين، مع تراجع الإمدادات الغذائية والطبية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وكانت الأمم المتحدة قد حذرت سابقًا من أن سكان المدينة المحاصرين يواجهون خطر الجوع، بعدما تعذر إيصال المساعدات الغذائية برًا لفترات طويلة بسبب إغلاق الطرق المؤدية إليها، ويعكس ذلك حجم الكلفة التي يدفعها المدنيون نتيجة استمرار العمليات العسكرية وقطع طرق الإمداد.
وعلى الجبهة المقابلة، تركزت العمليات في شمال كردفان حول محاور استراتيجية تشمل بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة والطرق الممتدة نحو الأبيض، وأفادت تقارير ميدانية بأن الجيش السوداني كثف عملياته في المنطقة بهدف تضييق نطاق تحركات الدعم السريع وفتح طرق الحركة باتجاه الغرب، بينما أعلنت القوات المسلحة لاحقًا سيطرتها على بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة بعد معارك قالت إنها أوقعت خسائر في صفوف الدعم السريع وأجبرت عناصر منها على الانسحاب وترك أسلحة وآليات.
وتبرز أهمية هذه المناطق من موقعها الجغرافي في شبكة الطرق التي تربط العاصمة بوسط وشمال كردفان، ثم تمتد باتجاه دارفور، ولذلك فإن تغير السيطرة عليها لا يمثل مجرد مكسب تكتيكي محدود، بل يمكن أن يؤثر في قدرة كل طرف على نقل القوات والوقود والذخائر وتأمين خطوط الحركة، كما أن السيطرة على طرق رئيسية يمكن أن تفتح المجال أمام عودة النشاط التجاري والإنساني تدريجيًا، إذا استقرت الأوضاع الأمنية.
ولا تنفصل التطورات العسكرية عن البعد الإقليمي للحرب، فقد كشفت تقارير حديثة، استنادًا إلى تحقيقات ووثائق أممية، عن شبكات لوجستية عابرة للحدود مرتبطة بنقل أسلحة ومسيّرات ومقاتلين لصالح الدعم السريع، مع استمرار التحقيقات الدولية في انتهاكات حظر السلاح المفروض على دارفور، كما وثقت تقارير وجود مقاتلين أجانب شاركوا إلى جانب الدعم السريع، بما يؤكد أن الصراع لم يعد محصورًا في ميدان سوداني داخلي، بل أصبح متداخلًا مع شبكات إقليمية معقدة.
ومع اتساع رقعة القتال، تبدو كردفان أمام مرحلة حاسمة في مسار الحرب؛ فاستمرار تقدم الجيش في محاور شمال كردفان يمكن أن يضغط على خطوط تحرك الدعم السريع باتجاه دارفور، بينما ستسعى الأخيرة إلى الاحتفاظ بالممرات الصحراوية وإعادة تنظيم قواتها لمنع انتقال العمليات إلى عمق مناطق نفوذها، وفي المقابل، فإن أي تقدم عسكري لا يرافقه فتح للطرق أمام الغذاء والدواء وحماية المدنيين قد يظل محدود الأثر على الأزمة الإنسانية التي أصبحت أحد أخطر أوجه الحرب.
وتشير الصورة الأوسع إلى أن استمرار القتال لا يهدد التوازن العسكري وحده، بل يضاعف مخاطر الجوع والنزوح وتفكك الخدمات العامة، ومع وصول الاحتياجات الإنسانية في السودان إلى مستويات غير مسبوقة، تؤكد الأمم المتحدة أن الحل الأكثر إلحاحًا يتمثل في وقف الأعمال العدائية وتوسيع نطاق الوصول الإنساني، بالتوازي مع منع تدفق السلاح الذي يطيل أمد الحرب ويزيد كلفتها على المدنيين.