عندما تحفر قبرك بيدك (نموذج قحت)
بقلم: عبد الله مكاوي
أُتيحت لتحالف الحرية والتغيير، عقب الثورة، فرصة استثنائية لاختبار قدرته على مواجهة التحديات العميقة التي تعاني منها الدولة السودانية، بدءًا من إرث طويل من الفشل الإداري والاستبداد والفساد، وصولًا إلى التدهور الشامل في مختلف مناحي الحياة. وكان المطلوب، بالتوازي مع ذلك، وضع أسس حديثة لإدارة الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وتحسين مستوى المعيشة، وتمكين المواطنين من تقرير مصيرهم بحرية واحترام خياراتهم.
ولا شك أن هذه المهام لم تكن سهلة، ولا يمكن أن تنهض بها جهة واحدة، ما كان يستدعي توسيع دائرة المشاركة والاستفادة من الخبرات الوطنية، إلى جانب ضرورة وجود رؤية واضحة تستند إلى قراءة واقعية، تحدد الأولويات وفق الإمكانات، وتتمتع بالمرونة الكافية للتعامل مع تعقيدات المشهد، خاصة في ظل وجود قوى معادية للثورة ومتضررة من التغيير.
أبرز التحديات تمثّل في هيمنة المكون العسكري والمليشيات، التي تملك نفوذًا اقتصاديًا وأمنيًا واسعًا، وتخشى فقدان مواقعها، مما جعل خروجها من المشهد أمرًا بالغ التعقيد. وزاد الوضع تعقيدًا وجود دعم إقليمي لهذه القوى، ما فرض على قحت خيار الشراكة مع العسكر كأمر واقع، رغم مخاطره. وهنا كان يفترض أن تظهر الحنكة السياسية في إدارة هذه الشراكة بحذر، لتحقيق أكبر قدر من المكاسب دون الانزلاق إلى فخ الهيمنة العسكرية.
لكن التحالف، الذي ضم قوى سياسية متعددة، لم ينجح في الحفاظ على حد أدنى من التوافق، وسرعان ما تحول إلى ساحة صراع داخلي على السلطة. ومع تغلّب النزعة السلطوية، تراجعت أهداف الثورة، وحلّت محلها حسابات البقاء في الحكم. وبدل أن تكون الشراكة مع العسكر تكتيكًا مرحليًا، أصبحت مسارًا لتقاسم السلطة دون إدراك لمخاطرها طويلة المدى.
ومع تولي السلطة، واجهت قحت تحديات متزايدة: ضغوط الشارع، وتوقعات المواطنين، وتعقيدات تقديم الخدمات، إلى جانب عراقيل العسكر. كما برز تأثير التدخلات الخارجية، خاصة في اختيار قيادة الحكومة، ما انعكس على السياسات الاقتصادية التي بدت بعيدة عن شعارات الثورة، وأسهم في تمكين بعض القوى من السيطرة على موارد البلاد وتعزيز نفوذها.
هذا الانشغال بالسلطة أضعف علاقة قحت بالشارع، وأفقدها جزءًا كبيرًا من مصداقيتها. وعندما وقع الانقلاب، استعادت بعض التعاطف، لكن مواقفها اللاحقة، خاصة في التعامل مع المبادرات السياسية، كشفت استمرار الفجوة بينها وبين قواعدها، إذ بدت أقرب إلى حسابات السلطة منها إلى نبض الشارع.
ومع اندلاع الحرب، دخلت قحت اختبارًا حاسمًا. فقد تبنّت موقفًا أقرب إلى الحياد، مع الدعوة لوقف الحرب، دون تقديم رؤية واضحة لطبيعة الصراع أو مخاطره الوجودية على الدولة والمجتمع. ومع تصاعد الانتهاكات واتساع دائرة الدمار والنزوح، بدا هذا الموقف غير منسجم مع حجم الكارثة.
كما أن المساواة بين أطراف الصراع، رغم اختلاف أدوارها، أثارت تساؤلات حول المعايير التي تستند إليها قحت في مواقفها. فالموقف من الانتهاكات لا يحتمل الغموض، خاصة عندما يتعلق الأمر بتهديد وجود الدولة وسلامة المواطنين.
في المقابل، بدت بعض مكونات التحالف أكثر ارتباطًا بأجندات خارجية، وهو ما انعكس في مواقفها السياسية، وأضعف ثقة الداخل بها. كما أن الرهان على الدعم الدولي، بدل بناء قاعدة داخلية قوية، جعلها عرضة للتقلبات وفقدان التأثير.
وبمرور الوقت، اتضح أن قحت لم تُجرِ مراجعة حقيقية لتجربتها، بل استمرت في نفس النهج، مع الميل إلى تبرير الإخفاقات أو تحميلها للآخرين، بدل الاعتراف بالأخطاء والعمل على تصحيحها.
في المحصلة، فإن التحالف، الذي رفع شعارات التغيير، لم ينجح في تجسيدها عمليًا. ومع استمرار الفجوة بين الخطاب والممارسة، تراجع حضوره وتأثيره، وترك فراغًا تسعى قوى أخرى لملئه.
خلاصة القول:
إن لم تُقدم قحت على مراجعة جادة لتجربتها، تعيد فيها ترتيب أولوياتها، وتنحاز بوضوح لمصالح المواطنين، وتفك ارتباطها بأي أجندات خارجية، وتفتح المجال للنقد والتجديد الداخلي، فإنها ستفقد ما تبقى من دورها السياسي، وستتجاوزها الأحداث.
فالعمل السياسي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لخدمة الناس، وأي انحراف عن هذا المسار، مهما طال، ينتهي بفقدان الشرعية والثقة.