البرهان يمهّد لحوار سوداني شامل… مشاورات لتحديد الموعد والأجندة وترتيبات المشاركة
دخلت الترتيبات الخاصة بإطلاق حوار سوداني–سوداني مرحلة جديدة، مع تكثيف رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مشاوراته مع قوى سياسية ومجتمعية وشخصيات مستقلة، بهدف التوصل إلى صيغة توافقية للحوار المنتظر.
وبحسب مصادر سياسية، تتركز المشاورات على تحديد موعد انعقاد الحوار، وصياغة أجندته، وآليات المشاركة، إلى جانب بحث إجراءات من شأنها تهيئة المناخ السياسي وبناء الثقة بين المكونات السودانية.
وتشمل الاتصالات، وفق المعلومات المتداولة، قوى سياسية وشخصيات مستقلة وقيادات أهلية وممثلين عن الطرق الصوفية والإدارات الأهلية والمجتمع المدني، في محاولة للوصول إلى حوار أوسع من الاستقطاب الذي رافق المشهد السياسي منذ اندلاع الحرب.
وتشير المعطيات إلى وجود مقترح لعقد الحوار خلال أغسطس الجاري، غير أن الموعد النهائي لم يحسم بعد، إذ ما تزال المشاورات مستمرة حول طبيعة الأجندة وترتيبات المشاركة.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع دعوات من قوى سودانية إلى جعل الحوار الوطني مدخلاً لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة، مع تأكيد قوى سياسية أن العملية السياسية الشاملة ينبغي أن تكون سودانية القيادة والقرار.
وتتضمن المشاورات، بحسب المصادر، بحث خطوات سياسية وقانونية يمكن أن تساعد في تهيئة المناخ للحوار، من بينها مراجعة بعض الإجراءات والبلاغات المرتبطة بالشأن السياسي، بما يسمح بمشاركة أوسع للقوى التي تقرر الانخراط في العملية.
كما تبرز اتصالات مرتقبة مع تحالف صمود وقوى مدنية أخرى، في إطار اختبار مواقف مختلف الأطراف من المشاركة في الحوار وشكل العملية السياسية المقبلة.
ويأتي التحرك السياسي في وقت لا تزال فيه الحرب بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا مستمرة، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها.
وتواجه ميليشيا الدعم السريع اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في دارفور ومناطق أخرى، فيما تشير تقارير أممية إلى خطورة الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، كما تتواصل الاتهامات الدولية بشأن الدعم الخارجي الذي تحصل عليه القوات، وفي مقدمتها اتهامات موجهة إلى الإمارات، التي تنفي تقديم دعم عسكري للدعم السريع.
ومن ثم، فإن أي حوار سوداني مقبل سيواجه ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بوقف الحرب، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ومنع إعادة إنتاج التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، إضافة إلى معالجة التدخلات الخارجية التي ساهمت في إطالة أمد الصراع.
ولا يبدو أن أجندة الحوار ستقتصر على إنهاء القتال، إذ تفرض المرحلة المقبلة ملفات أكثر تعقيداً، بينها إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترتيبات الانتقال السياسي، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة الإعمار، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإجراء الانتخابات.
وتبقى مسألة مشاركة القوى السياسية والمجتمعية واحدة من أكبر تحديات الحوار، خصوصاً في ظل الانقسامات التي أفرزتها الحرب وظهور مشاريع سياسية موازية تهدد وحدة القرار والسيادة السودانية.
ويكتسب الحوار المقترح أهمية إضافية إذا تمكن من الانتقال من مجرد لقاء سياسي إلى عملية وطنية حقيقية تضع حداً للحرب وتحافظ على وحدة السودان، مع ضمان أن تكون العدالة والمساءلة جزءاً أساسياً من أي تسوية، لا بنداً مؤجلاً.
وفي هذا السياق، تظل الأولوية أمام القوى السودانية هي الوصول إلى صيغة تجمع بين إنهاء الحرب والحفاظ على مؤسسات الدولة، مع رفض أي ترتيبات تؤدي إلى تقسيم البلاد أو تكريس واقع عسكري وسياسي موازٍ تفرضه قوات الدعم السريع وحلفاؤها.
الخرطوم تبدو أمام محاولة جديدة لإطلاق مسار سياسي سوداني خالص، وسط مشاورات لتحديد الموعد والأجندة والمشاركين، وإذا نجحت هذه المشاورات في تجاوز الاستقطاب، فقد يشكل الحوار المرتقب خطوة مهمة نحو تسوية سياسية وإنهاء الحرب، شرط أن يقترن ذلك بمعالجة ملف الانتهاكات والتدخلات الخارجية، وإعادة بناء الدولة على أساس وحدة السودان وسيادة مؤسساته.